ابن أبي الحديد
14
شرح نهج البلاغة
أما قوله تعالى : ( وعصى آدم ربه ) فإن المعصية مخالفة للامر ( 1 ) ، والامر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالندب معا ، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة ، فيكون بمواقعتها تاركا فضلا ونفلا ، وغير فاعل قبيحا ، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا ، كما يسمى بذلك تارك الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر ، ولهذا يقولون : أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني ، وإن لم يكن ما أمر به واجبا ( 2 ) . يقال له الكلام على هذا التأويل من وجوه : أولها أن ألفاظ الشرع يجب أن تحمل على حقائقها اللغوية ما لم يكن لها حقائق شرعية ، فإذا كان لها حقائق شرعية وجب أن تحمل على عرف الشرع واصطلاحه ، كالصلاة والحج والنفاق والكفر ، ونحو ذلك من الألفاظ الشرعية ، وهكذا قال السيد المرتضى رحمه الله تعالى في كتابه في أصول الفقه المعروف " بالذريعة " في باب كون الامر للوجوب وهو الحق الذي لا مندوحة عنه . وإذا كان لفظ العصيان في الاصطلاح الشرعي موضوعا لمخالفة الامر الايجابي لم يجز العدول عنه وحمله على مخالفة الندب . ومعلوم أن لفظ العصيان في العرف الشرعي لا يطلق إلا على مخالفة الامر المقتضى للوجوب ، فالقول بجواز حملها على مخالفة الامر الندبي قول تبطله وتدفعه تلك القاعدة المقررة التي ثبتت بالاتفاق وبالدليل . على أننا قبل أن نجيب بهذا الوجه نمنع أصلا أنه يجوز أن يقال لتارك النفل : إنه عاص لا في أصل اللغة ، ولا في العرف ، ولا في الشرع ، وذلك لان حقيقة النفل هو ما يقال فيه للمكلف : الأولى أن تفعل هذا ، ولك ألا تفعله ، ومعلوم أن
--> ( 1 ) العبارة في كتاب تنزيه الأنبياء بعد ذكر الآية . . . قالوا : وهذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة ، وأكده بقوله " فغوى " وألغى ضد الرشد . الجواب : يقال لهم . أما المعصية . . . " . ( 2 ) تنزيه الأنبياء .